
نشرت في 26/9/1426هـ الموافق 29/10/2005م
|
ردي على تعقيب هيئة السوق المالية على مقالي المعنون(قرارات هيئة السوق المالية ومبدأ الشرعية) المنشورين في جريدتكم الغراء
نشرتــــ صحيفة "الاقتصادية - الموقرة- يوم السبت 26/9/1426هـ الموافق 29/10/2005م مقالاً ليَ بعنوان (قرارات مجلس هيئة السوق المالية ومبدأ الشرعية) تعقيبا على قراري مجلس هيئة السوق المالية رقم (1-101-2005) وتاريخ 27/8/1426هـ ورقم (1-104-2005) وتاريخ 6/9/1426هـ المتضمنان توجيه السوق المالية (تداول) بوقف التعامل مع حسابات استثمارية لمستثمرين في الأسهم السعودية. وبتاريخ 28/9/1426هـ الموافق 31/10/2005م نشرت ذات الصحيفة ردا للمستشار القانوني العام لهيئة السوق المالية على مقاليَ متضمنا أهمية مبدأ المشروعية, وأن هيئة السوق المالية لم ولن تتجاوز في إجراءاتها وقراراتها مبدأ الشرعية أو غيره من المبادئ, وأن الإجراء الذي اتخذته الهيئة لا يعد حجزاً تحفظياً على تلك الحسابات، لأن الحجز التحفظي يمنع صاحب الحسابات من التصرف فيها,في حين أن إجراء الهيئة اقتصر على منع السوق المالية من التعامل مع تلك الحسابات بيعاً أو شراءً للأسهم، ثم حُول المنع إلى منع خاص بأوامر الشراء فقط, وأن هذين القرارين لم يتضمنا عقوبة ضد أولئك المستثمرين, وإنما هو إجراء إداري وقائي, استنادا على المادة ( 5/أ/4) من نظام السوق المالية , باعتبار أن للفقرة (4) صبغة تنظيمية وتنفيذية في الوقت ذاته. وإن حماية الصالح العام بدفع الضرر عنه مقدم على تحقيق منفعة الفرد, وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لاسيما عندما يكون الضرر من النوع الذي لا يمكن إصلاحه. وفي البداية أتقدم بالشكر الجزيل لصحيفة الاقتصادية على تبنيها نشر كل الآراء, والشكر موصول لهيئة السوق المالية على تجاوبها وإيضاح وجهة نظرها, فغاية الجميع المرجوة دائما هي المحافظة على النظام واحترام الحقوق والحريات وإعلاء مبدأ الشرعية, وأرجو أن تتسع صدور مسئولي الهيئة لتقبل مرئياتي التالية: أولا: نبارك للهيئة الخطوة التصحيحية التي قامت بها وذلك برجوعها عن قرارها السابق من منع بيع أو شِراء للأسهم إلى منع خاص بأوامر الشراء فقط, والذي علمنا به من خلال رد المستشار العام للهيئة, ألا أن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا عدلت الهيئة قرارها بإلغاء ما تضمنه من منع بيع الأسهم وقصر المنع على الشراء فقط ما دامت ترى مشروعية قرارها السابق ؟؟ ولماذا لم توضح أسباب التعديل؟! ولماذا لم تتوج جرأتها بالاعتراف بتعديل قرارها الأول بنشر القرار المعدل كما نشرت القرارات السابقة, ليعلم به المهتمون خاصة أن هناك صحف نشرت أسماء بعض المستثمرين؟! أم أن ذلك التعديل يعد إقرار من الهيئة بعدم نظامية قرارها السابق ويؤكد صحة ما ذهبت إليه في مقالي السابق،وما سوف أؤكده في النقاط التالية: ثانياً: أن القول بأن ما اتخذته الهيئة في قراريها من منع المستثمرين من بيع أو شراءً للأسهم, لا يمنع المستثمرين من التصرف فيها ومن ثم لا يعد حجزا تحفظيا وإنما هو أجراء إداري وقائي؟! قول لا يتفق مع المبادئ والأسس الصحيحة, كون منع الشخص من بيع أسهمه هو في مضمونه وأثره صورة من صور الحجز التحفظي, إذ أن الشرع والنظام قد أعليا شأن الملكية الخاصة التي يتعين أن تكون لأصحابها ولا تمس بأي صورة من صور التقييد بل غايتها أن يباشرون عليها كل الحقوق المتفرعة عنها لتظل أيديهم متصلة بها, لا تغل عنها, ولا ترد عن حفظها وإدارتها والتعامل فيها بكل صور التعامل التي يقدرون ملائمة الدخول فيها, و إذا جاز استثناء أن تفرض قيود على الأموال فلا يكون ذلك إلا بحكم له قوة اليقين القضائي, ومنع الشخص من بيع أسهمه يمثل تعديا على حق الشخص في ملكية أسهمه ويقوض أهم خصائص الملكية وهو منعه من التصرف فيها بالبيع, ويبقيها طوال المدة المحددة في الحساب الاستثماري وتحت تصرف السلطة العامة, وهذه غاية الحجز التحفظي, والمادة (59/أ/7) من نظام السوق المالية قضت بأن الحجز والتنفيذ على الممتلكات يعد عقوبة يتطلب إيقاعها على المخالف إقامة دعوى ضده أمام لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية. ثالثاً: أن ما ذكره المستشار القانوني العام لهيئة السوق المالية حول المادة ( 5/أ/4) من نظام السوق المالية التي تنص على أن: " تكون الهيئة هي الجهة المسئولة عن إصدار اللوائح والقواعد والتعليمات، وتطبيق أحكام هذا النظام. وفي سبيل ذلك تقوم الهيئة بما يأتــــــــــي : ..... 4 ـ حماية المواطنين والمستثمرين في الأوراق المالية من الممارسات غير العادلة، أو غير السليمة، أو التي تنطوي على احتيال، أو غش، أو تدليس، أو تلاعب", من أن هذه المادة صريحة في النص ليس على صلاحية الهيئة وإنما على واجبها في القيام ـ في سبيل تطبيق النظام ـ بحماية المواطنين والمستثمرين من الممارسات غير العادلة أو غير السليمة .. إلخ, وأن لها صبغة تنظيمية وتنفيذية في الوقت ذاته. وإن حماية الصالح العام بدفع الضرر عنه مقدم على تحقيق منفعة الفرد, وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لاسيما عندما يكون الضرر من النوع الذي لا يمكن إصلاحه. فهذا أمر متفق عليه بوجه عام, ولا أختلف مع الهيئة في ذلك, ولكن كيف يتم تطبيق ذلك, هل يكون بتحميل النص النظامي ما لا يحتمله وإهدار النصوص النظامية الأخرى؟! أم يكون بإدراك المعنى الحقيقي للنص النظامي وتطبيقه دون إهدار مدلولات النصوص ألأخرى,فالذي أقصده وأؤكد عليه في مقالي هو التطبيق السليم للأنظمة, وأن يكون عمل الهيئة وفقا للمبادئ والنصوص النظامية, لقناعتي بأن ما رسمه المنظم هو الذي يحقق الصالح العام ويدرأ المفاسد, وأنه متى كانت عبارة النص واضحة لا لبس فيها فأنه يجب أن تعد تعبير صادقا عن إرادة المنظم ولا يجوز الانحراف عنها عن طريق التفسير أو التأويل أياً كان الباعث على ذلك, وأنه لا يصح الخروج على النص متى كان واضحا جلي المعنى قاطعاً في الدلالة على المراد منه حتى ولو بدعوى الاستهداء بالحكمة التي أملته,باعتبار أن تلك النصوص لا تصاغ من فراغ ولا يجوز انتزاعها, ولذلك كتبت مقالي وقلت أن ظاهر نص المادة سالف الذكر لا يعطي للهيئة الحق في أن تقوم من تلقاء نفسها بإصدار قرار يمنع المستثمرين من التداول في ألأسهم بالبيع أو الشراء, لما يشكلانه من عقوبة وفق صحيح نص المادة (59/أ/7), ولو سايرنا جدلاً الهيئة بما اتخذته من قرارات وقلنا بسلامتها ومشروعيتها لمنحنا الهيئة منفردة إثبات صحة الاتهام المتمثل بأن الممارسات التي قام بها المتهم غير عادلة وغير سليمة وبالتالي نكون أمام خصم وحكم للمتهم في آن واحد، فضلاً عن الآثار الجانبية التي تحدثه تلك القرارات على سير نظر الدعوى والحكم فيها أمام اللجنة المختصة، وهذا بلا شك يؤدي إلى إهدار لمبدأ البراءة الذي يقتضي التأكد من ارتكاب المخالفة, ويبين ذلك من نص المادة (5/ج) من نظام السوق المالية الذي أعطى صلاحيات لأعضاء الهيئة منها استدعاء الشهود, وأخذ الأدلة, وطلب تقديم أي سجلات, أو أوراق أو وثائق قد تراها الهيئة ذات صلة أو مهمة لتحقيقها, والأكثر من ذلك أن هذه الصلاحيات تهدف وحسب تعبير النص لتقرير الهيئة ما أذا كان الشخص المعني قد خالف أو يوشك أن يخالف أحكام هذا النظام, أو اللوائح التنفيذية أو القواعد الصادرة عن الهيئة, والنص بعد أن أعطى للهيئة كافة الصلاحيات للوقوف على وجود دلائل تشير إلى وقوع المخالفة لم يمنحها حق إصدار مثل تلك القرارات, وإنما أعطي لها الحق فقط في إقامة دعوى ضد المخالف أمام اللجنة المختصة بصفتها طرف في الدعوى تطلب بناء على الأدلة التي جمعتها استصدار قرار بالعقوبة المناسبة المنصوص عليها في الفصل العاشر من نظام السوق المالية. ومن الثابت أن للمتهم أيضاً حق الدفاع وذلك بمناقشة الدليل واستظهار وجه الحق فيه باعتبار أن لكل فرد أن يعرض وجهة نظره في شأن الوقائع المنسوبة إليه ذلك أن ضمانة حق الدفاع لم تعد تافهة يمكن التجاوز عنها, إلا أذا كان قد وقر في ذهن القائمون على الهيئة أن الإحالة إلى اللجنة هو قرين الإدانة, ولم يفطنوا إلى أن توجيه الاتهام شيء وأن توقيع العقاب شيء آخر؟!, فالأصل ألا يمس أي حق من الحقوق الشخصية إلا بعد ثبوت الإدانة بناء على حكم نهائي وبعد محاكمة تجري وفقا للنظام باعتبار أن افتراض البراءة يمثل أصلا ثابتا يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها وليس بنوع العقوبة المقررة لها وهذا الافتراض ينسحب على الدعوى في جميع مراحلها وعلى امتداد إجراءاتها. وبناء على ما تقدم لا يمكن التسليم بشرعية قراراي هيئة السوق المالية السابق الإشارة إليها بغض النظر عن الغاية التي كانت تتوخاها في قرارها, ووصفها له بأنه قرار إداري وقائي, ذلك أن النظام لا يعطي ــ بعد ما بينه آنفاً ــ الحق في هذا الإجراء ولو كان وقائيا. كما أؤكد أن إدراك أهمية مبدأ المشروعية, والالتزام به , يبينه الواقع العملي للسلطة وما تتخذه من إجراءات وتصدره من قرارات. وأخيرا أشكر للجميع سعة صدورهم , وأرجوا من الله تعالى التوفيق والسداد.
المحامي
عبدالرحمن بن مقبل المقبل
|